وقت القراءة 6 دقائق

وا أسفاه على سلسلة الإمداد 

وا أسفاه على سلسلة الإمداد 

من كان ليتوقع أن اثنين من الأعراض الجانبية لكوفيد-19 هما الكوابيس والصداع؟ نحن نشير هنا إلى الكوابيس اللوجستية الناجمة عن مشاكل سلسلة الإمداد المتعلقة بالوباء، والصداع الذي عانى منه الرؤساء التنفيذيون ومدراء العمليات المكلفون بالكشف عن تلك المشكلات. 

توقفت سلاسل الإمداد تزامنًا مع توقف العالم في ربيع عام 2020. والمسارات التي كانت نتاج سنوات من التخطيط والبناء أصبحت مهجورة من غير حولٍ لها ولا قوة بسبب حادثة لم تكن في الحسبان. توقفت الموانئ والمطارات والمنافذ البحرية الدولية وقُيدت حركة التنقل وأُغلقت مرافق التصنيع وطُلب من عمال المصانع البقاء في بيوتهم حتى أجٍل غير مسمى. 

حتى باتت رؤية الأثر الذي خلفه الركود المخيف الذي أحل على العالم خلال فترة الحجر ممكنة من الفضاء. حيث أظهرت الأقمار الصناعية من وكالة ناسا صورًا تبين عُتمة كوكب الأرض وكذلك انخفاضًا ملحوظًا في انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري من مصنع العالم، الصين. 

وفي حين أن العرض واجه نقصًا حادًا، إلا أن الطلب في بعض الأحيان كان في ازدياد. في الواقع، ارتفع الطلب على بعض السلع أكثر من أي وقٍت مضى (على سبيل المثال، الهلع الذي ألم بالدول الغربية حول تكديس المناديل الورقية.)

أجبرت قوانين الحجر العديد من المستهلكين على الإعتماد على خدمات التوصيل كـ أمازون (AMZN)، عدى عن اعتبار الحجر حجة لترقية الأجهزة الإلكترونية، نظرًا إلى لجوء الأغلبية للعمل من المنزل. 

من حسن حظنا أنه تم حل أزمة العرض والطلب حول المناديل الورقية، ولكن العديد من الصناعات لا تزال تكافح حتى يومنا هذا. إن أكثر فِرق الإدارة كفاءًة حول العالم لم تتمكن من تجاوز عاصفة الوباء بسلام، وهو الشيء الذي كان واضحًا في تقارير أرباح الربع الثالث من هذا العام. 

حدد بايدن مؤخرًا خطة بمليارات الدولارات لتحديث الموانئ في الولايات المتحدة الأمريكية للمساعدة في معالجة الوضع، كجزء من فاتورة البنية التحتية البالغة 1 تريليون دولار.

وفي نشرتنا من تحت المجهر لليوم، سنسلط الضوء على سبب كون “المشاكل غير المتوقعة والمتعلقة بسلسلة الإمداد” هي إحدى أكثر العبارات استخدامًا في تقارير أرباح هذا الموسم. 

كُربة آبل 
حتى شركة بحجم وقوة شركة آبل (AAPL) وقعت في نهاية المطاف فريسة لقبضة مشاكل سلسلة الإمداد. في حالة آبل، كان المكون المفقود هذا العام هو الرقائق الإلكترونية شبه الموصلة المعروفة باللغة الإنجليزية بـ Semiconductor Chips. 

يعتمد كل جهاز إلكتروني تقريبًا على رقائق الإيصال تلك لتخزين ومعالجة المعلومات. وبالنظر إلى أن معظم المنتجات في عصرنا التكنولوجي الحديث مُصنفة على أنها أجهزة ذكية، مثل الأجهزة المنزلية وحتى السيارات، فإنها لا تعمل من دون الرقائق الإلكترونية. 

من غير المنطقي التفكير في إمكانية صنع الرقائق في المنزل من قبل أي شخص. وبما أن عملية التصنيع تحتاج إلى الكثير من الجهد والوقت والخبرة والتكلفة، تميل شركات مثل آبل إلى الاستعانة بـ “التعهيد الخارجي” أو ما يعرف أيضًا بالاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج الرقائق.

ولو سبق وسمعت عن شركة كوالكوم (QCOM) فأنت تعلم بأنها أكبر مورد رقائق لشركة آبل منذ أن بدأت في توفيرهم لأول هاتف آيفون عام 2007.

وتعد ممارسات التعهيد الخارجي طريقة فعالة لتبسيط وزيادة كفاءة الإنتاج… هذا يدوم حتى لا يتمكن المورد من تلبية الطلب؛ وهو تمامًا ما حدث أثناء الجائحة.

ومع تفشي مبيعات أجهزة آيفون وآيباد وماك خلال فترة الحجر، لم تستطع شركة كوالكوم وموردي المواد الخام التابعين لها مواكبة الطلب. في أحدث تقرير أرباح لـ آبل، قدّر الرئيس التنفيذي تيم كوك أن نقص الرقائق كلف الشركة حوالي 6 مليارات دولار.

آبل تكافح أيضًا مع الاضطرابات المتعلقة بكوفيد-19 في منشآتها التصنيعية في جنوب شرق آسيا. بينما قال كوك إن اضطرابات التصنيع التي واجهتها الشركة “تحسنت بشكل كبير”، لا يزال نقص الرقائق “في استمرار”. 

النقص الكبير الذي عانت منه آبل أجبر الشركة على اتباع منطق تقديم الأهم على المهم؛ وقد تجلى ذلك من خلال إعادة توجيه الإمدادات “التي تملكها آبل على الأقل” إلى حيث تشتد الحاجة إليها. 

في الآونة الأخيرة، تم الإعلان عن أن آبل قد خفضت إنتاجها من أجهزة آيباد بنسبة 50% من أجل تخصيص المزيد من الرقائق لجهاز آيفون 13. يرجع قرار إعطاء الأولوية لإنتاج آيفون 13 إلى حقيقة أن آبل تتوقع طلبًا أعلى على المنتج مقارنة بجهاز آيباد. 

كُربة نينتندو
تمر شركة نينتندو اليابانية (NTDOY) بنفس مصاب شركة آبل، حيث تكافح شركة إنتاج ألعاب الفيديو ووحدات التحكم مشكلة نقص الرقائق الخاصة بها. وكانت قد أعلنت نينتندو في تقرير أرباحها ربع السنوية أنها خفضت توقعات مبيعاتها للعام بأكمله لجهاز “نينتندو سويتش” بنسبة 6% بسبب استمرار النقص في رقائق الإلكترونية اللازمة لإنتاج الجهاز. 

ومنذ انطلاق سويتش قبل خمس سنوات، أصبحت نينتندو تعتمد على مبيعات وحدة التحكم في ألعاب الفيديو الشهيرة. ونظرًا لأن مبيعات وحدات التحكم في ألعاب الفيديو تتبع نمطًا دوريًا، فقد اضطر رئيس الشركة شنتارو فوروكاوا لتحمل الأخبار السيئة قائلًا: “لا يمكننا إنتاج ما يكفي لتلبية الطلب الذي نتوقعه خلال موسم العطلات القادم”. وأضاف فوروكاوا أنه: “لا يوجد أي مؤشر على التحسن حيث أن الوضع لا يزال خطيرًا، لذلك لا يمكنني تحديد المدة المتوقعة لاستمرار الأزمة”. 

في أوائل أكتوبر من هذا العام، أطلقت الشركة منتج سويتش طراز “OLED” بسعر 349.99 دولارًا. في حين أن إصدار الطراز الجديد أعطى المبيعات دفعة صغيرة، إلا أن وحدة التحكم لا تزال تعاني من النقص؛ تمامًا مثل ما يحدث مع شركة سوني (SONY) ومايكروسوفت (MSFT) وإكس بوكس 1 وبلاي ستيشن 5. 

العامل الوحيد الذي يمكن أن يخفف من وطأة النقص في رقائق نينتندو أو يزيد من تفاقم المشكلة هو مبيعات ألعاب الفيديو الخاصة بها. لدى الشركة بعض عمليات إعادة تصنيع بوكيمون في طور الإعداد بالإضافة إلى “Pokémon Legends: Arceus” – وهو عنوان جديد من المتوقع طرحه للبيع في يناير.

كُربة نايكي 
لربما تظن عزيزي القارئ أن مشاكل سلسلة الإمداد مرتبطة فقط بشركات التقنية، ونحن هنا لنقدم لك أكثر من واجهة للقضية. يشعر تجار التجزئة مثل نايكي (NKE) بوقع الضربة أيضًا، حيث قال ماثيو فريند المدير المالي لنايكي أن الشركة “ليست محصنة ضد الرياح المعاكسة لسلسلة الإمداد العالمية التي تتحدى تصنيع وحركة المنتج في جميع أنحاء العالم.”

وعلى الرغم من إقبال وطلب المستهلكين على أحذيتها وملابسها الرياضية، إلا أن نايكي تواجه مشكلات في كل نقطة من سلسلة الإمداد الخاصة بها.

بدايًة، أدت عمليات الإغلاق المحلية وإغلاق المصانع في البلدان التي دمرها فيروس كورونا مثل فيتنام وإندونيسيا إلى الحد من إنتاج منتجات نايكي. وإذا افترضنا أنه تم تصنيع المنتجات، فهي بلا شك أمام اختبارها الثاني وهو العثور على مكان على متن سفن الشحن.

أدى الطلب المتزايد على خدمات الشحن العالمية إلى تراكم الأعمال وارتفاع أسعار حاويات الشحن. ووفقًا لشركة الأبحاث البحرية Drewry، ارتفع سعر حجز حاوية شحن بطول 40 قدمًا على طريق قياسي من الصين إلى أوروبا بنسبة تزيد عن 600٪. 

ولو افترضنا أن عملية صنع المنتجات وشحنها قد تمت، تكمن المعضلة القادمة بالعثور على عُمال تجزئة لبيع المنتجات. ففي العام الماضي، تم تسريح وإرسال العديد من عمال التجزئة إلى بلادهم بعد الضربة القاسية التي شهدها السوق. تزامنًا مع ذلك، أدى الموضوع لازدهار سوق العمل عن بعد والذي وفر بدوره رواتب أفضل بكثير للعمال، الأمر الذي أدى إلى تفضيلهم العمل في فرصهم الجديدة بدلًا عن شركاتهم القديمة، ونحن بالطبع لا نلومهم. 

ومن هذا المنطلق، اضطرت شركة نايكي إلى زيادة الأجور وتقديم مكافآت على قدمٍ وساق لضمان بقاء موظفيها، علاوًة طبعًا عن التكاليف المتزايدة التي ترتبت عليها بسبب تعكر سلسلة الإمداد، والتي أدت بالفعل إلى تقليص هامش الربح وإلحاق الضرر بالشركة. 

السبب في أهمية الخبر

أجورنا أنا وأنت عزيزي القارئ لا تشكل نقطة في بحر أجور المدراء التنفيذيون لشركات آبل ونينتندو ونايكي. ومع ذلك، هذا لا يخلف للود قضية بأننا مع رواتبنا المتواضعة قادرين على ملاحظة واستنتاج والتعلم من الأخطاء الناجمة عن التعامل مع الأزمة، وأسبابها، وكيفية تفاديها مستقبلًا. 

من الواضح أن أغلب الشركات وصلت إلى مرحلة تفضل فيها التعهيد الخارجي. وعلى الرغم من أن الموضوع في السابق لم يخلو قط من المشاكل العرضية أو إضراب العمال بين الفينة والأخرى، إلا أن الأمر تطلب قيودًا على السفر في جميع أنحاء العالم حتى تدرك الشركات الجانب الآخر من التعهيد الخارجي والمشاكل والعوائق المترتبة على اعتماد سلسلة الإمدادات كُليًا عليه. 

أدت تلك المعضلة إلى إحياء ملحوظ للقومية الاقتصادية، من دون الإشارة هنا إلى أي مضمرات سياسية أو ايدلوجية، ولكن النظر إليها على أنها لا شيء سوى قرار مدفوع بالرغبة في إدارة المخاطر. أدركت الشركات أن خفض تكلفة سلسلة الإمداد تأتي مع مخاطر خفية وغالبًا مكلفة. وها هم في صدد البحث عن طرق لتنمية محركات القوى العاملة محليًا وداخليًا، بهدف زيادة الإنتاج.