وقت القراءة 7 دقائق

 القيم والأرباح تتماشى جنباً إلى جنب

 القيم والأرباح تتماشى جنباً إلى جنب

افتح كتاباً جامعياً عن التمويل المعياري وستجد أن هناك عدداً من الأهداف التي يجب أن يأخذها المستثمرون الجدد في عين الاعتبار عند دخول الساحة الكبيرة والمخيفة والمعروفة باسم السوق. من بين تلك الأهداف التي تبدو واضحة بطريقة أو بأخرى هي زيادة العوائد وتقليل الخسائر وتنمية المحفظة. وفي أسفل تلك القائمة اللامنتهية ستجد واجبات وأهداف أخرى تقع على عاتق المستثمرين من بينها إحداث تأثير إيجابي وإنقاذ المجتمعات المحلية ودعم الشركات المتنوعة.   

ولعلنا استنتجنا أن الكتب المدرسية لا تمت للواقع بصلة، إلا أن المستثمر المعاصر ليس كذلك إذ يركز على فكرة “الآن” التي ترتبط بما يعرف بالاستثمار الواعي. فما هو الاستثمار الواعي إذاً؟ 

الاستثمار الواعي هو فكرة أن المستثمرين يدعمون الشركة لسبب أكبر بكثير من مجرد تقرير أرباحها أو حصصها السوقية الكبيرة. المستثمر الواعي يفكر ويطرح أسئلة متعلقة بتأثير الشركة على المجتمع، ويركز على تعامل الشركة مع موظفيها ومدى تنوع مجلس إدارتها وغيرها من الاسئلة العميقة ذات الوطء المهم مجتمعياً. 

في نشرتنا لتحت المجهر اليوم، سنغوص في أخلاقيات المستثمرين.. إلى حدٍ ما… وسنرى كيف يقوم المستثمرين الواعين بترسيخ قيمهم الشخصية في ساحة التداول. سنبدأ بأول جزء من سلسلة جديدة مكونة من أربعة أجزاء ستناقش عالم الاستثمار الواعي والمصطلحات المرتبطة به وكيف أن الأسئلة التي يطرحها كل مستثمر واع هي سياق لقيمه الخاصة التي يحاول عكسها في سوق الاستثمار. 

البيئة والمجتمع والمؤسسات… أدوات المستثمر الواعي  

تعد معايير ESG مجموعة من المقاييس التي يمكن من خلالها الحكم على الوضع الأخلاقي للشركة، وبما أن المستثمرين هم مساهمون مهمون في الشركات التي يستثمرون بها، فإن حكمهم على الشركة في نهاية المطاف أمر مهم. تشير معايير ESG إلى تحول جذري في الهدف الرئيسي للشركة. حتى وقت قصير وإلى حد كبير، كانت معظم الشركات تعمل بهدف تعظيم القيمة لمساهميها فقط، ولكن في العقد الماضي، أضافت معظم الشركات غرضاً أوسع إلى قائمتهم، وهو زيادة التأثير الإيجابي على جميع أصحاب العلاقة في الأعمال التجارية، سواء من خلال ممارسات ESG أو غيرها. قد يعني هذا النظر في كيفية تأثير القرارات على العملاء والموردين والمجتمعات وحتى المساهمين. 

ولكن ما هو ESG؟ يعلم البعض أن معايير ESG تطرح في آخر بيان صحفي أو تقرير سنوي للشركة، ولكن ما معنى ذلك؟ هذه الأحرف الثلاثة عبارة عن قائمة من المعايير التي يستخدمها المستثمرون والشركات الواعية لقياس مدى “المسؤولية الاجتماعية” للاستثمار أو المبادرة. ينظر المكون “البيئي” في ESG إلى أشياء مثل ماهية إنتاج الكربون للشركة، وقد يكون جانبها “الاجتماعي” مهتماً بكيفية تأثير أنشطة الشركة على المجتمعات المحلية، وقد تدقق معايير “الحوكمة” في علاقتها مع المساهمين. وفي بعض الحالات، أصبح ESG مصطلحًا شاملاً لأي شيء يعتبره المستثمر متوافقًا مع قيمه الشخصية. 

إضافة إلى ESG، قد تسمع أيضاً بمصطلحات أخرى مثل الاستثمار المستدام أو الاستثمار ذات المسؤولية الاجتماعية أو حتى المسؤولية الاجتماعية للشركات المعروفة بالـ Corporate Social Responsibility أو الـ CSR. ومثال على ذلك هي شركة نيفادا (NVDA) صانعة بطاقات الغرافيك والتي لديها قسم مرتبط بالمسؤولية الاجتماعية. يهدف قسم المسؤولية الاجتماعية لنيفادا إلى الحصول على 65% من الكهرباء الخاصة به من مصادر طاقة متجددة بحلول عام 2025. وبالمثل أنشأت مايكروسوفت (MSFT) صندوقاً للابتكار المناخي بقيمة مليار دولار للوصول إلى انبعاث كربون سلبي أو (Carbon Negative Status) بحلول 2030. يتم تصنيف هاتان المبادرتان تحت إطار الـ ESG غير أنهما حصلتا على أعلى تصنيفاتها وفقاُ لـ MSCI ESG، الموضوع الذي سنتطرق له لاحقاً.   

لا يمكننا فهم فوائد الـ ESG من دون فهم المصدر. إذ أن الاستثمار الواعي والموجه نحو الاستدامة هو بالأساس نتاج أولويات المستثمر. وكما ناقشنا سابقاً، فإن الجيل Z عرف بوعيه الاجتماعي ومناشدته لشتى القضايا. ومن هذا المنطلق، فلا بد من انعكاس ذلك الوعي على عقليات الاستثمار الخاصة بهم. بالمقابل، يتم الضغط على الشركات لاعتماد ممارسات أكثر توافقاً مع فلسفة الأشخاص الذين تستهدفهم.  

بالنسبة للمستثمرين، من مزايا ESG هو وجود معيار يمكن من خلاله دفع الشركات لتتماشى مع قيمها الخاصة. إذ يتحول الموضوع إلى قضية استرضاء المستثمرين عدى عن بناء مبادرات قد تكون أكثر ربحية بالنسبة لهم. على سبيل المثال، منذ عام 2019  قام المستثمرون الأوروبيون بتحويل 142 مليار دولار إلى استثمارات مستدامة بينما وجدت الأبحاث أن شركات S&P 500 المصنفة ضمن أفضل 20٪ وفقًا لمقاييس ESG تفوقت في الأداء على الشركات التي تقع في أدنى 20٪ من حيث العوائد المالية. ونظراً لأن ممارسات ESG أصبحت أكثر رسوخًا في مجال الاستثمار، فقد شهدت الشركات التي تتبناها نمواً مالياً أعلى وتقلباً أقل؛ الأمر الذي يجعل المعايير مربحة للجميع. 

ممارسة الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية 

أما على الصعيد العالمي، فقد أخذت أسواق ESG طابع مؤسسي بشكل متزايد. على سبيل المثال، تعمل منظمات مثل CDP Worldwide مع الشركات والمدن للكشف عن تأثيرها البيئي بشكل منتظم للمستثمرين المعنيين لتتبع تقدمهم. حالياً، تكشف أكثر من 9,600 شركة عن بياناتها وممارساتها إلى CDP عبر العديد من الفئات المتعلقة بتغير المناخ – بما في ذلك أمثال Hewlett Packard و L’Oréal و Accenture. 

وعلى الرغم من عدم وجود قوانين تحتم على الشركات كشف الأنشطة المتعلقة بحوكمة الشركات والممارسات البيئية والاجتماعية التي تشارك فيها الشركة، لا يزال المستثمرون قادرين على الاستفادة من تصنيفات الأطراف الثالثة والافصاحات الطوعية. هناك أيضاً قوانين موجودة في الاتحاد الأوروبي لتفويض هذه الإفصاحات، غير أن تنظيم ESG مدرج على جدول أعمال لجنة الأوراق المالية والبورصات خلال العام المقبل.

أما على الصعيد العالمي، دفع الاستثمار الواعي المدفوع بالحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية إلى المرحلة التي يتحدث فيها المنظمون عن إلزام الإفصاح عن الاستدامة، لذا لابد لأسواق استثمار منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أن تتأثر أيضاً.  وفي عام 2020، أصدر المقرضون الماليون في الإمارات العربية المتحدة ومصر والمملكة العربية السعودية وقطر مجموعة من “السندات الخضراء”: وهي الديون المستخدمة لتمويل المشاريع المتعلقة بالاستدامة مثل النقل النظيف والطاقة المتجددة. يوجد حالياً 15 سنداً أخضر نشطاً في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تبلغ قيمتها حوالي 5 مليارات دولار. 

تقترب خيارات ESG على مستوى مستثمري التجزئة بسرعة في المنطقة، كما تخطط أكبر بورصة في دول مجلس التعاون الخليجي -وهي بورصة  تداول- إطلاق مؤشر ESG هذا العام. ومن المقرر أن يشمل المؤشر 70 شركة سعودية مدرجة. كما ستقوم تداول بإصدار إرشادات ESG لجميع الشركات المدرجة. 

إن دولة الإمارات العربية المتحدة متعطشة لهذا التأثير الاستثماري. ففي عام 2020، كان 94٪ من مستثمري التجزئة في الإمارات مهتمين أو يستخدمون معايير ESG لاختيار الأسهم. يعتبر سوق أبوظبي للأوراق المالية (ADX) في الإمارات العربية المتحدة متقدماً بخطوة على السعودية، حيث أطلق بالفعل إرشادات ESG للشركات لاتباعها في عام 2019.

مدخل من دون مخرج 

كقارئ، لابد أنك تفكر بمدى أهمية الموضوع. وكمستثمر، لابد أنك تفكر ما الفائدة منه بالنسبة لي؟ بالنسبة إلى مستثمر التجزئة الذي يختار شركات ESG عالية الأداء، فإن الأمر يتعلق بمعرفة المكان الذي يبحث فيه. ولحسن حظ المهتمين بذلك، فإن عالم ESG بتوسع سريع.

ولكن قبل أن ينتقل المستثمر إلى النظر في مقاييس ESG، من المهم أن تعرف ما الذي تبحث عنه بالضبط – ما هي القضايا المتعلقة بالتأثير الأكثر صلة بك؟ هل تفضل أن يكون لديك محفظة تميل بشدة نحو الشركات ذات الممارسات الإيجابية المناخية؟ هل توافق بدلاً من ذلك مع الشركات التي تأخذ ممارسات التنوع والشمول أثناء التوظيف على محمل الجد؟ كل مستثمر واع لديه مجموعة مختلفة من معايير الحوكمة البيئية والاجتماعية والمؤسسية المهمة بالنسبة له.

بمجرد أن تكون واضحًا بشأن ما يهمك أكثر، فإن تقييم الشركات هو إما البحث في افصاحات الشركة (على سبيل المثال ، تقارير الاستدامة الصادرة عن الشركات أو رسائل المسؤولية الاجتماعية للشركات السنوية إلخ…) أو استخدام مصادر خارجية محايدة. 

أما عندما يتعلق الأمر بالقياس المعياري، فإن إجراءات مثل تصنيف MSCI ESG مفيدة للغاية إذ يصنف النظام الأسهم والأدوات المالية الأخرى وفقاً  لمقياس ESG القياسي. يتم تصنيف كل شركة عبر سبعة تصنيفات من الأدنى إلى الأعلى من حيث مدى تطابق الشركة مع معايير الـ “ESG”. توفر الأدوات المالية مثل ESG ETFs للمستثمرين الواعين فرصة للشراء في سلة من الأسهم تحت شريط واحد – يتيح EAFE MSCI iShares ETF (EFA) للمستثمرين التعرض لمجموعة من ما يقرب من 850 من الأسهم المهتمة بالاستدامة، ويصنفها عالمياً في أعلى نسبة 86 مئوية من ESG ETFs.

بشكل عام، إن الاستثمار في ESG هو عملية سياقية – فهي تختلف وفقًا لكل مستثمر. مع بدء البورصات في إصدار إرشادات ESG ودفع المنظمون الصناعيون لفرض هذه الإرشادات، يمكن أن تبدأ هذه العملية في أن تصبح أكثر توحيداً.

السبب في أهمية الخبر

الأعمال التجارية جزء لا يتجزأ من حياتنا. من أصغر التفاصيل إلى أكبرها؛ من نفطنا إلى هواتفنا إلى ملابسنا؛ وتعتبر الشركات في منتصف كل ذلك. فمن المنطقي إذاً أن يهتم الأشخاص الذين يستثمرون في الشركات وعملائهم بالتأثيرات التي تنتج عن أعمالهم التجارية خارج عالم الربح والخسارة. لذا، يُعد الاستثمار الواعي المدفوع بالحوكمة البيئية والاجتماعية وحوكمة الشركات وسيلة لبناء أبعاد متعددة بشكل منهجي في قراراتك الاستثمارية - وهي طريقة للسماح بتوافق الربح والقيم سوياً.