وقت القراءة 5 دقائق

الـ “زومرز” وصناعة البيع بالتجزئة

الـ “زومرز” وصناعة البيع بالتجزئة

بسبب أن الجيل Z على وشك التفوق على جيل الألفية من ناحية التعداد السكاني، فإن قيمهم ومعتقداتهم وعاداتهم تؤثر بشكل رئيسي على سياسات الشركات الكبيرة التي بدأت فعلاً بالتغيير حتى تلبي احتياجاتهم وأذواقهم. 

في الأسبوع الماضي من تحت المجهر، بدأنا سلسلتنا المكونة من ثلاثة أجزاء والتي تتمحور حول كيف أن الشركات الكبرى تتغير لتتماشى مع الجيل Z. في نشرتنا الأولى، تحدثنا عن صناعة الخدمات المالية. واليوم، سنكمل حديثنا عن ذات الجيل ولكن سنتطرق إلى موضوع صناعة الأزياء. 

تماماً كما هو الحال مع التكنولوجيا، مرت الموضة بالكثير من التغييرات خلال السنوات الماضية. ففي القرن الماضي، كان عالم الأزياء يمر بالتغيير قرابة كل عشر سنوات. وقبل ذلك، كان التغيير يطرق الأبواب كل قرن أو حتى أكثر. اليوم، التغيير على مدار الأيام بل حتى الساعات. وبسبب تولع الجيل Z بعالم الموضة والأزياء، فإنه يجبر شركات الموضة على مواكبة ذلك بشتى الوسائل. 

الجيل المتفتح

جيل اليوم الـ “متفتح” أو بصحيح العبارة كما يتم الإشارة لهم باللغة الإنجليزية بمسمى الـ woke هم الجيل الذي لديه فهم منهجي بمشاكل تتعلق بالعرق والقضايا النظامية التي تندرج تحت نفس المظلة. اهتمامات الجيل الـ woke تتعلق أيضاً بمواضيع أخلاقية ذات طابع نظامي في عالم الأعمال والتي تشمل مجالات الأزياء والصناعة وغيرهم الكثير. بسبب ذلك، خضعت بعض ماركات الملابس للتدقيق في السنوات الأخيرة بسبب انخراطها في ممارسات تجارية غير أخلاقية وغير مستدامة كاستغلال الأيدي العاملة في الدول النامية وتلويث البيئة. 

على عكس الأجيال التي سبقتها، الجيل Z لا يغض النظر عن تلك الممارسات غير الأخلاقية في عالم الموضة كما المجالات الأخرى حيث لا يغريهم مدى جاذبية المنتجات طالما أن في مضمونها الصناعي خلل أخلاقي. ومن هذا المنطلق، فقد استخدم المدونين الشباب والمؤثرين والناشطين على مواقع التواصل الإجتماعي منصاتهم ووسائل التواصل الخاصة بهم لتسليط الضوء على الممارسات غير الأخلاقية لتلك الشركات. على سبيل المثال، قام تقرير صدر في عام 2018 بعنوان “العمل بلا حرية” بتوجيه أصابع الاتهام على عدد من شركات الأزياء كـ Abercrombie & Fitch بسبب تعاقدهم وحصولهم على الملابس من المصانع التي تخضع العمال لظروف عمل غير أخلاقية بتاتاً.

نخص بالذكر أيضاً فيكتوريا سيكرت التي تم اتهامها بالانخراط في ممارسات غير أخلاقية على مر السنوات. شملت الاتهامات أيضاً شركات الملابس الرياضية كنايك وأديداس.

أدى تسليط الضوء السلبي الذي حظيت به تلك الشركات إلى تبني تغييرات ومبادرات تهدف للوصول إلى سلوك أكثر استدامة وأخلاقية. ففي عام 2017، وقع 36 من أسماء الأزياء الأكثر شهرة في العالم تعهداً باستخدام القطن من مصادر مستدامة بنسبة 100٪ بحلول عام 2025. وقد تم التعهد من قبل شركات مثل بيربيري وأديداس وكاثماندو وتيمبرلاند. ومع ذلك، يشكك الكثيرون في صدق هذه التعهدات والمبادرات، حيث يطلق عليها مصطلح “الغسل الأخضر” وهو تقديم ادعاءات كاذبة أو غير دقيقة حول الاستدامة لأغراض العلاقات العامة.

الملابس المستعملة… موضة دارجة 

تمكن الجيل Z من تحويل ما كان في فترة من الزمن يعتبر أمر محرج إلى موضة “تريندي” مرة أخرى. لتصبح الملابس المستعملة شائعة بشكل كبير بين جيل الشباب. فمن ناحية، هو توفير حقيقي للمال من حيث القيمة، ولكن سبب التوجه الرئيسي له هو تقليل الطلب على منتجات الشركات ذات الممارسات غير الأخلاقية وغير المستدامة. ولا شك بأن هنالك متعة خاصة في العثور على كنوز مخفية في أكوام من الملابس القابعة على الرفوف من دون صاحب. 

وإن كنا تعلمنا شيء عن الجيل Z، فهو أنهم جيل ذات تفكير اقتصادي لا يستهان به. حفز حبهم للموضة والأزياء والتوفير نمو سوق الملابس الرقمية المستعملة. ونخص بالذكر هنا موقع Depop – وهو أحد منصات وسائل التواصل الاجتماعي والذي يعد وسيلة لتبادل الأزياء المستعملة، إذ يسمح للمستخدمين بالتبضع من دون مغادرة منازلهم. 

وفي حين أنه يمكن لأي شخص إنشاء حساب أو التسوق على Depop، إن النجاح الحقيقي عليه يتطلب الكثير من الكد والجد حيث يتحمل البائعون مسؤولية إدارة مخزونهم وتنسيق شحن منتجاتهم والتواصل مع العملاء بشكل احترافي. يشبه تصميم Depop صيغة الإنستغرام، لذلك يجب على مستخدميه العمل على المحتوى الخاص بهم حتى يصل ويجذب أكبر عدد ممكن من الجمهور.  

كيف بدأ Depop؟ التطبيق انطلق في عام 2011 من قبل رواد الأعمال الأوروبيين ومحتضني الشركات الناشئة. يقع المقر الرئيسي للشركة في لندن وتم نقله في عام 2012 ولدى الشركة عدة مكاتب عالمية في عواصم أزياء كميلان ونيويورك. وفي يونيو من هذا العام، أعلنت إيتسي (ETSY) عن خططها لشراء Depop مقابل 1.6 مليار دولار. أشارت إيتسي إلى أن القرار نابع من رغبتها في الانخراط بالسوق المطلوب من قبل الجيل Z. 

الموضة السريعة

يجادل البعض بأن جيل “الزومرز” مهووس بكل ما هو سريع وأنهم لا يطيقون أن يكونوا على إطلاع بآخر صيحات الموضة والأزياء، الأمر الذي ولد ما هو معروف بالـ “موضة السريعة”. ففي الماضي، كانت صناعة الأزياء تبني تصاميمها على فصول السنة من ناحية اصدار تصاميم جديدة، الأمر الذي يحتم على أن يكون التصنيع بشكل أبطأ ومنظم أكثر. أما الآن، فإن عالم الموضا بتحرك سريع وتعرضنا للإعلانات على مدار الساعة يزيد الطين بلة. 

مرادف الموضة السريعة في سوق الأزياء هو موقع Shein. فموقع تجارة التجزئة للأزياء الذي يقع مقره الرئيسي في قوانغتشو الصين والذي تأسس عام 2008 يعد الآن أحد أعلام الموضة والصناعة. انتشرت شعبية الموقع بسبب أسعاره المنخفضة وتواجده الكثيف على منصات التواصل الاجتماعي. يشتهر أيضاً بكونه يحول التصاميم الجديدة إلى واقع ملموس تصل إلى أيادي المستهلكين في غضون أيام. فمن خلال التقنيات الحديثة التي يتبناها الموقع في تحديد الأنماط والأذواق التي يفضلها المستخدم، سيبقى Shein متقدماً بخطوة على أي منصات أو أشخاص آخرين في عالم صناعة الأزياء. 

كان العامين الماضيين منصات مهمة تمثلت بالنمو بالنسبة لشركة Shein. ففي عام 2020، باع موقع Shein ما يقرب من 10 مليارات دولار من الملابس، مسجلاً بذلك عامه الثامن على التوالي الذي حقق فيه نمواً في الإيرادات يزيد عن 100٪. أصبح بائع التجزئة أحد أكثر العلامات التجارية التي يتم الحديث عنها على منصات مثل تيك توك ويوتيوب وهو أحد مواقع الأزياء الأكثر زيارة في العالم. ترددت شائعات عن إطلاق Shein علناً في وقت ما في عام 2021، ولكن كان ذلك قبل حملة الحكومة الصينية الأخيرة على شركات التكنولوجيا الكبرى.

السبب في أهمية الخبر

إذا كانت الشركات ترغب في الحصول على الجيل Z كعملاء وفيين لهم، فعليهم أن يقدموا أكثر مما تراه العين. على الشركات استهداف الجيل المتفتح سياسياً وفهم ميولهم وآرائهم المتعلقة بالأسواق المستعملة والأزياء السريعة، إضافة لتغيير الطرق التي تمارس بها الشركات الكبرى أعمالها لتفادي  أي ممارسات غير أخلاقية تنافي توقعات الزومرز.